ما الذي يجعل العالم أهم من اتصّالك بالآخرين؟

ها أنا واقفٌ على أتأمل لوح المفاتيح بعد أن تشبّعت شعوريًا في قراءة مقتل الكومنداتور لهاروكي موراكامي، كاتبي المفضّل والاستماع لأغنية  Let her go
وما قبل ذلك كتبت تغريدة بأن حبي للأغنية مرتبط بمدى اتصّالها في مشاعري. شعرت بالنهم، وكأن هناك شيء يدفعني لأن افتح المذكرة وأن لا أتوقّف عن الكتابة، أن أدع هذه القوة تملي على أصابعي ما يجب أن يُكتب.
في هذا المقهى الحميميّ جدًا، اخترت اليوم أن أقضي رتابة يوم السبت به، وأن استمع للموسيقى وأن أقرأ. ولأول مرّة في حياتي شعرت بأن لدي القدرة على الانفصال من الآخرين، وأنا كُنت أعاني مؤخرًا في أنني أشعر بما يشُعر به محيطي، وأتاّثر به مع الأسف. ولكن ما حدث اليوم كان شيء مُختلف تمامًا، كانت لحظات مفعمة بالمشاعر، وطبلتاي تكاد أن تنفجر من شدّة الصوت، وإذ بي منغمس في قراءة الجزء الثاني من رواية مقتل الكومنداتور. توقّفت في الصفحة 200 وإذ بذلك الاقتباس الذي جعلني اقتبس هذه المشاعر فيقول الرسّام “استبدّت بي. لا يُمكن أن أصفها بكلام آخر. أحيانًا يحدث لي مثل هذا. يُمسك بي شيءٌ ما – منظرٌ طبيعي، أو كتلةٌ جامدة، أو إنسانٌ – بتلابيب عقلي بشكلٍ خالص وبسيط للغاية، فأُمسك الفُرشاة وأبدأ الرِّسم على لوح القنّب. وليس هناك معنى لذلك ولا هدف. ما يشبه النزوة فقط!
لا، الأمر مختلفٌ تماما. هكذا فكرت. ليس الأمر مجرّد نزوة. لقد طلب شيءُ ما منّي رسم تلك اللوحة. طلبٌ شديدُ القوّة. حرّكني ذلك الطّلب وجعلني أبدأ في رسم تلك اللّوحة. ودفعني بيده من ظهري، وأوصلني إلى إكمالها في مدّةٍ قصيرة” والأمر تفوقّ على أن يكون استلهام، ما وجدتني إلا أنني أُغلق الكتاب بسرعة، وبدأت أكتُب على أثر هذا المشهد، إنها حقًا نشوة. ولم أشعر في ذلك في حياتي قط. أنا في ذلك المقهى الدافئ جدًا، والمزدحم جدًا، العدد يفوق العد ولكنّه مكان هادئ، فالجميع مُنشغل في عملًا على أجهزتهم اللوحية، أمّا أنا؟ كيف لي أن أشعر بهذا الانفصال في هذا المكان؟ كيف لي أن أشعر بأني وحيدٌ في عالم لا يوجد فيه أي كائن؟ طوال حياتي وأنا أكتب على مكتبتي الصغيرة، فأنا أفضّل حقًا الانغماس في شعوري في مكاني الخاص، لا أحد يقاطعني سوى – نفسي – ولكن ما الذي حدث هُنا؟ شعرت بأن الانفصال هذا كالانغمار في نشوة تأخذني لعالم لا يوجد به أحدٌ سواي ومشاعري. وكأن مشاعري تجسدّت على كيانٌ اُنتزع منّي من دون أي إرادة. كما لم أتصوّر يومًا أن يكون هذا الحدث منطقيًا، وبالفعل لا أحد سيصدّق ذلك، شيء بعيد كل البعد عن المنطق! ولكن ها أنا، في هذا العالم، انا ونفسي أو بالأحرى أنا ومشاعري. هل نحن كائنان منفصلان؟ أم أنني أنا – نفسي – ومشاعري شخصٌ واحد؟ كيف يُمكن أن تنفصل عنّي تمامًا؟ حاولت أن أقتل الشك باليقين وأن أتفكّر ما الذي أشعر به الآن بما أن مشاعري تقف أمامي هُنا! كان الحدث غير منطقي، حتى لو أخبرني يومًا أحد عن هذا الموقف لن أصدّقه حقًا. كان المشهد يفوق النطق والفيزياء والعقلانية، كان شعوري في تِلك اللحظة يتجسّد أمامي، كان ما بداخلي واقعًا أمامي، وفي كُل ثانية استوعب حقيقة ما يحدث وأخاف وأرى خوفي يتشكّل أمامي. ما إن اشتدّ الخوف حتى فقدت الوعي، واختفى كل هذا العالم، ها أنا هُنا في الواحد وعشرين من كانون الأول. عُدت للواقع بعد هذه الحالة وكأن الأمر يشبه تمامًا حالة الاستيقاظ بعد محاولة الانتحار شنقًا. لا تستوعب ما يحدُث هُنا وأفكار تفوق سرعة الضوء تتسابق في أن تصل لعقلي أولًا. لم يتغيّر شيء، المكان يبدو كما هو، والآخرين كما هم، لم يستشعر أحدًا ما حدث هُنا. وكان الأمر حقيقي، كحقيقة وجودي هذه اللحظة وأنا أكتب هذه القصة. بدت لي أن هذه النشوة كانت حقيقة واضحة على معالم الآخرين، فكنت أتأمل وجوههم لحظة الاستفاقة الأولى ولم أجد حتى وجهًا يتساءل. هل هذا العالم يدعو للقسوة؟ ما الذي يحدُث هنا؟ لماذا لا أحد يحرّك ساكنًا، لا أحد يتساءل ولا حتى يحاول أن ينظُر لما حدث. إنني أفهم حقًا هذا الحدث، وأفهم السبب والنتيجة خلفه، فبرغم إنه حدث غير منطقي ومستحيل إلا أنني أؤمن بواقعيّته كما أؤمن بحروفي هُنا. يبدو لي أن حقيقة هذا العالم بدت أكثر وضوحًا لي اليوم، أعتقد أني نفضت الغبار على طاولة العالم، ونثرت الحقيقة كما يجب أن تكون وأعلم أن العالم سيتغيّر اليوم، وأن الحقيقة التي تدعو للشكّ هي اليوم حقيقيّة أكثر من مضى، معالم الوجود تتغيّر، وأن من يبحث عن الحقيقة سيجدها مفصّلةً أمامه وسيصبح الوصول لها أسهل من التقاط كوب الشاي. العالم أصبح أكثر قسوةً، والبشر يفقدون اتصّالهم بين بعضهم البعض، الجميع منشغل في أشياء أقلّ أهميّة من السعي للاتصال مع الآخرين، ما الذي يجعل العالم أهم؟ ما الذي يجعلك منفصل حتى عن نفسك أهم؟ ما الذي ترجوه؟ ما الذي تبحث عنه؟ ما الذي يجعلك في عالم لا يتصّف بالواقع؟ ما الذي يُغيّبك عن هذا العالم؟

نفقد اتصّالنا يومًا بعد يوم مع الآخرين، وهذا ما يجعلني أتألّم، وما حدث اليوم كانت الإجابة القاسية لكل المشقة التي قضيتها في البحث عن هذا الاتصال الغامض في حياتي، عن هذا الشيء المفقود والذي يجعلني أتحسّر عن في معنى وجودي هُنا، أتحسّر في منتصف أيام الأسبوع وفي نهايته، دوّامة لا تتوقف عن الحسرة والندم، ما الذي افتقده ويجعلني عرضةً كل يوم لهذا الشعور الشديد بالوحدة الوجودية؟ العالم يتغيّر اليوم، الجميع أمامي يؤكد هذه الحقيقة، يومًا بعد يوم نفقد اتصّالنا بالآخرين، ونفقد أنفسنا شيئًا فشيئًا.

اندرينا،
الرياض

10:40 مساءً، 21 كانون الأول 2024

كُتب دون تحرير،

مازن.