حينما نحاول أن نتحدّث عن العلاقات لا نستطيع أن نتوقّف، ففي كل حرف من كلمة علاقة نخلق منها عدد لا نهائي من الأفكار تجاه العلاقات! ولكن حينما اسألك “ما هو دورك في علاقاتك؟” قد تنصدم من غرابة السؤال وقد تغوص في التفكير ولا تُجيب!.
ولذلك عندما نفكّر بدورنا في العلاقات علينا أن نفهم في البداية لماذا الإنسان يسعى لتكوين علاقة مع إنسان آخر؟ نستطيع الإجابة على ذلك بشكل بديهي ولكن هل نستطيع أن نفسّر الأمر أبعد ممّا نعتقد بهذه البديهية؟
ماذا تعني الرابطة البشريّة؟
أتذكر ذات مرّة قرأت لابن سِيْدَه تفسيرًا لكلمة إنسان: مُشتقة من الأُنس، بمعنى أن الإنسان أُنس الأرض ومن عليها!. عندما نتحدث عن أصل الإنسان فنحن نتحدث عن الترابط، فحينما تتكوّن أحشاء الطفل في بطن الأم تنشأ علاقة غير واضحة بين الأم وطفلها وهذا ما جعل علماء النفس في العصر الأخير تكثيف البحوث عن ارتباط الطفل في الأم وهو في بطنها يتكوّن! فإذا كانت العلاقة تنشأ ويتأثر فيها الطفل في بطن الأم كيف ستكون العلاقة عندما تلد؟. يرى جون بولبي المحلل النفسي المهتم في التكوين والطفولة أن من أهم تكوينات الطفل هو التعلّق. فالتعلّق حسب جون هي علاقة اجتماعية عاطفية مع شخص بالغ، وأن الطفل الذي يستطيع بناء علاقة من هذا النوع يحظى باحتمال عيش كبير، وليس بالضرورة أن يكون تعلّق الطفل الأوليّ هو تعلّقه في أمه! وعلى الرغم من أن مصطلح التعلّق قد يشير بشيء من السوء قليلًا إلا أن التعلّق بالنسبة للطفل يعني تكوين علاقة آمنة من حيث المشاعر، أن وجود مثل هذه العلاقة فيعني أن الطفل بكل تأكيد يذهب لمصدر الأمان له عندما يستكشف أي شيء جديد. من ثم يتطوّر التعلق بين الأم والطفل بمختلف مستوياتها حتى تبدأ مرحلة التعلّق الثانية بين الطفل والأب.
لماذا الإنسان يكوّن علاقات إنسانية؟
قد يكون السؤال بديهيّ جدًا وأن تكوين العلاقات شيء فطري! ولكن هل فكّرنا مرّة في أبعاد ذلك؟
لا شك أن أبعاد الإنسان في تكوينه متجذرة منذٌ أن كان في رحم أمه، وكما ذكرت سابقًا عن تكوّنه وبداية تعلّقه. ينشأ الإنسان في حياته بعد أن كانت أولى علاقاته مع أمه، ولأن الإنسان اعتيادي حتى في نفسه غير الظاهرة وعقله اللاواعي، تكون علاقته الأولى مثال مسلّم في علاقاته لاحقًا. ولأن بناء الإنسان النفسي كبناء البيت، يُشكّل كما يُراد ويصعب لاحقًا إعادة تشكيله! فالعلاج السلوكيّ بعد نهضته في القرن العشرين هدفه الأسمى هو الذهاب لنقطة الصفر بداخل نفس الإنسان وإعادة تشكيل وترميم ذلك البناء المشوّه. عندما نتساءل لماذا يكوّن الإنسان العلاقات؟ بالطبع لن نستطيع الإجابة، لأن الإجابة عنه ستأخذ منّا قرون حتى نصل لنهاية السطر، ولكننا نستطيع أن نحاول تبسيط الفهم لمعرفة ما وراء هذا التكوين. لأن التعلّق الأول في حياة الطفل تعلّق مشاعريّ أمن، يضل الإنسان يبحث في حياته عن هذا التعلّق مرة أخرى، ونجد نتيجة ذلك أحيانًا تمسك أشخاص بعلاقات سيئة والأصل في ذلك هو نتيجةً للتعلّق السيء الذي حصل عليه في طفولته. عندما ننتقل من حياة البيت ومحيطه الصغير للخارج، نجد أن علاقاتنا تتكوّن في المحيط القريب، وطبعًا بخلاف ارتباطنا بهم من حيث المحيط إلا إننا نجد أن صديقك المقرّب في الطفولة هو ابن عمك أو ابن خالتك، فهذا وبشكل مبسّط أن التعلّق الأمن بدأ بالتوسّع لمحيط القريب! وعلى النقيض عندما نجد أن ام علاقتها سيئة مع عمومة الطفل فنادرًا تنشأ علاقة مقرّبة مع أبناء عمومة الطفل مع الطفل نفسه! وبذلك غالبًا تتوسّد فكرة الأمان حول الأطفال الأخرين، فعندما يدخل المدرسة وينتقل لمحيط جديد، يكون تكوينه للعلاقات بشكل عشوائيّ جدًا، فلا تفسير منطقيّ في علاقاته مع الأطفال الآخرين في المرحلة الابتدائية. يكبر الطفل حتى تكبر معالم العلاقات عنده، فمع النهي والتلقين حول الأشخاص الأخرين تُرسم لديه ملامح غير واضحة وغير مكتملة، فتظل فكرة تكوين العلاقات تحت النشأة والتطوير حتى المرحلة الثانوية غالبًا، فمن هذه المرحلة مع التغيرات البيولوجية في المراهق يبدأ في ثورة الانتقائية! في هذه المرحلة تحديدًا تبدأ معالم الوعي لديه حول علاقاته، فيظل في دائرة الانتقاء والتصفية، ونرى دائمًا مع ازدياد العمر تضل دائرة العلاقات تقلّ. وتتضاءل علاقاته وتقترب للاضمحلال! هُنا تحديدًا يبدأ في معمعة العلاقات والقرب الحقيقيّ بين الأصدقاء، فلماذا هُنا تختل القاعدة؟ وتبدأ الانتقائية الشديدة في العلاقات؟ بعد تكوّن الشخصية للمراهق تبدأ مساعيه في العلاقات تختلف، فبالطبع أهدافه ورغباته تتغيّر طرديًا مع تكوينه النفسي والبيولوجي، بالتالي يضل هذا الإنسان في رحلة بحث عن صديق يوازي هذه الأفكار والرغبات، فصديق الطفولة لم يعتد عليك بهذه الأفكار والرغبات، وهنا نقطة الفارق والتحوّل في اضمحلال علاقاتك مع أصدقاء الطفولة! فالفرد الآن جل همّه خلق رابطة إنسانية خالية من الأحكام والتقبّل التام، ولأن التحوّل الفكري لهذا الفرد قد يكون صعب ويسبب مآسي نفسية ولو كانت لفترة قصيرة إلا أنها تعطي نظرة واضحة لهذا الفرد بأن العلاقة الآن اختلفت، وأن العلاقة لها معاني واضحة كما لم تكن سابقًا، فأصبح الفرد يسعى لعلاقة تعلّقيه آمنة شعوريًا بحيث أن يكون التواصل بينه وبين الطرف الآخر أمن لا يخترق هذا الأمان شيء يهدد نفسانية الفرد. فالأصل في علاقات الإنسان هو الأمان وبالتحديد الأمان في المشاعر، فعندما نتفكر مثلًا بأذى شخص قريب لنا، تعبيرنا للموقف “جرح مشاعري” وهنا تتجسّد عظمة مشاعر الإنسان وضخامتها ومدى عمق أثرها ووجودها بنا. ولكن تعميم بأن العلاقات كلها هدفها الحصول على أمان مشاعريّ هو ظلم بحق العلاقات والإنسان نفسه، وبالفعل أسباب تكوين العلاقات عند الإنسان لا نهائية!.
ما هي الراوبط الاجتماعية؟
يقول عالم النفس الأماني جورج زيمل أنه عندما نحاول أن نفك الترابط علينا أن نحلل مفهوم المجتمع أولّا. فإن المجتمع حسب زيمل ” هو أن المجتمع يتوقف على المتبادل بين الأفراد، وهاته الأخيرة تخلقها العواطف والمصالح والأهداف المختلفة، وهي التي تؤدي إلى سيرورة التنشئة الاجتماعية، وفي نفس الوقت، تبادل الأفعال في حد ذاته هو التنشئة الاجتماعية”، وقد فكّك زيمل الروابط الاجتماعية مع الغريب إلى أربع متغيرات. المتغير الأول يتكون من البُعد/التقارب فدرجة التقارب تجعل العلاقة الاجتماعية أكثر قٌربًا وحميميّة، لأن الغريب هُنا يقدّم تشابه مع أفراد المجموعة. أما درجة التباعد فهي تجعل العلاقات باردة، فالتشابهات التي يقدمها الفرد هي تشابهات عامة وبالتالي فهي بعيدة عنهم. أما المتغير الثاني، و هو الحراك، فالغريب ينظر إليه على أنه بدون أصول وهذا بالمعنى المجازيّ، و لهذا اختزلت وظيفته في التجارة و المالية .
والمتغير الثالث، وهو الموضوعية، فالغريب يكون أكثر حرية من أفراد المجموعة فهو بعيد عن التصورات القبلية الخاصة بالمجموعة. وبالتالي فهو يحتفظ بنماذجه الخاصة به. أما المتغير الأخير وهو متغير التجريد، فالغريب يمتلك نماذج عامة وهي أكثر موضوعية. إذن فهي مجردة بالمقارنة مع أفراد المجموعة، فالغريب من عادته يفكر في التشابهات العامة ويلاحظ في المجموعة التي تستقبله التشابهات والاختلافات مع مجموعته الأصلية. إن زيمل يرى أن الفرد الذي بطبعه يشكّل جماعة تختلف خصائصه عندما يكون في ملكيته الخاصة تمكنه الانفصال عن الجماعة عن كل شيء يمكنه أن يشترك فيه مع الآخرين. وهذا الجزء الأول من وجوده، أنه لا يمكن أن يتكون إلا من عناصر أكثر بدائية وأدنى مرتبة من جانب الدقة والعقلانية. وبالطبع يعود ذلك إلى أنه قبل كل شيء إن هذه العناصر في الفرد يمكن أن نعرّفها بيقين نسبيّ. عندما نحاول أن نعرّف وأن نفهم الروابط الاجتماعية فإننا نغوص في بحر علماء وباحثين منذُ الأزل حتى اليوم كانت قضيتهم الأساسية ما توقف الباحث/العالم الذي سبقهم ونقد أو إكمال المشوار في النظرية التي تبنوّها. (د لطيفة طبال. 2012. تفكك الروابط الاجتماعية طريق إلى الهجرة قراءة سوسيولوجية).
ما هو دورنا في العلاقات؟
إن دور الفرد في العلاقات الاجتماعية يتحدد وفق عوامل كثيرة، فالتنشئة الاجتماعية من أهم العوامل التي تحدد أدوارنا في وقت لاحق، كما أن تجاربنا التي هي بالأصل ضمن التجربة الاجتماعية هي أيضًا عامل مهم في الدور الذي نخوضه في علاقاتنا!. عند تفكيك دورك في علاقاتك فغالبًا ستجد أن دورك متكرر، لماذا؟
إن الأمر مرتبط كليًا في نشأتنا من الطفولة، فمثلًا حينما نأخذ دور فرد عانى من عدّة مشاكل في الطفولة أو المراهقة وانتهى الأمر به في علاج سلوكي محاولةً لتفكيك تِلك العُقد وفهم نفسه وذاته بكل المشاكل التي ظهرت لاحقًا من مثلًا قلقه الوجودي أو استحقاقه الذاتي أو مشاكله في علاقاته. عندما تنجح المحاولة حتى لو كانت جزئيًا ويتحسّن فسرعان ما تتحوّل علاقاته إلى مرحلة أخرى، سواء كانت علاقاته السابقة والمستمرة أو الجديدة، فإن نجاحه في تفكيك تِلك العًقد يحوّل دوره في علاقاته إلى المُعالج والمُراجِع بالمعنى المجازيّ، فإنه بعد ذلك يُصبح الشخص الذي يأخذ دور المُستمع والشخص الذي يُدعى في علاقاته “المعالج النفسي” ويحاول في تفكيك المشاكل ومساعدة الشخص الذي يرتبط به بعلاقة أيًا كان مسمّاها. بالطبع هذا المثال ليس دقيق ولكن هو محاولةً لشرح أثر معاناتنا ومعالجتها لاحقًا في دورنا في العلاقات. حتى وإن لم تكن تِلك المشاكل مُعالجة فبالطبع هذا يخلق لنا دورًا أيضًا في علاقتنا. إن النقطة الأساسية هُنا هي توضيح أصل دورنا في العلاقات وارتباطها بعُقدنا ومشاكلنا الناشئة من تجربتنا الاجتماعية. وأستطيع بذلك توضيح مثال أخير وبسيط وهو عندما يكون طفل في تجربة انفصال عاطفيّ بين الوالدين ربما ذلك يولّد لديه لاحقًا سمة التمسّك والخوف من الهجران وبذلك يكون هو الشخص الحريص دائمًا على إعطاء الاهتمام والتفاعل في العلاقة بشكل قد يكون مبالغ فيه خوفًا من الهجران من الطرف الآخر.
الخاتمة:
إن سعي الإنسان في تكوين علاقات اجتماعية هي رغبة دفينة في لقاء نفس/روح عانت حتى وإن كانت المعاناة غير ظاهرية على حياته الواقعية، وبالطبع أصل الإنسان في المعاناة حتى وإن لم تكن العلاقة فيها نوع من الحديث الصريح حول المعاناة إلا أني أؤمن أن الإنسان بأصله يصل للآخرين في وتلتقي تِلك النقطة من دون استيعاب صريح، بجانب أن الاهتمامات الأخرى المشتركة التي يسعى لها الإنسان في علاقاته. كما أن الإنسان يكبر وتكبر تطلّعاته ومعتقداته وأراؤه حول الحياة فتختلف سُبل ارتباطه في الآخرين، ففي علاقاتك التي نشأت من الطفولة قد تضمحل في وقت لاحق بسبب أن التكوين التراكمي كوّن الشخصية التي هو عليه اليوم فبذلك حاجته الاجتماعية من العلاقات تتغيّر وفق عوامل السّن. وفي معنى الروابط الاجتماعية إن جورج زيمل يرى أن تفكيك الترابط هو الدليل الأول في فهم المجتمع، وإن العواطف التي بدورها قد تكون مسيّرة للإنسان هي والمصالح والأهداف من العلاقات نوع من التنشئة الاجتماعية التي يخوضها الفرد في المجتمع. والأصل في أدورانا مع الآخرين مرتبط بشكل مُطلق مع تجربتنا الاجتماعية، فإن نشوء الروابط الاجتماعية في أي علاقة تحددها عوامل خاضها الفرد في مرحلةٍ ما في حياته، فقد يكون الشخص الذي يتفاعل بشكل قد يكون مُبالغ فيه هو بالأصل عانى من تجربة انفصال بين الوالدين في طفولته!.
المراجع:
- طبال، لطيفة. (2012). ” تفكك الروابط الاجتماعية طريق إلى الهجرة قراءة سوسيولوجية”. مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية.
- زيمل، جورج. الفرد والمجتمع. ترجمة حسن أحجيج.
- https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6125010/
- https://online.king.edu/news/psychology-of-social-media/