قرّرت أن تجعلني اعتياديًا، متأخرًا دائمًا

في يومٍ كسابق الأيام، الصباح باعتياده، والركض غير المتجدّد، أتحمّم، أكوي ملابسي بسرعة فائقة، وصانعة القهوة تقطّر كلّ قطرة على حِدة. صباح جديد يدفعني للركض ككلّ يوم. أُخلف وعدي بالأمس: “اليوم حتمًا سأخلد للنوم مبكرًا وأستيقظ أبكر من المعتاد”، ولا شيء يتغيّر. عرفتني أنا والوعود كلّ يوم، وفي الحقيقة أصبح للأمر لذّة ملموسة، ففي ذلك اليوم المُنهك الذي لم أعد نفسي به، أفتقد تلك اللذّة وكأن يومي ناقص.

بالطبع لم تكن وظيفتي سوى وظيفة اعتيادية، الكثير من العملاء والقليل من الوقت، عميل يتصل ويصرخ، وآخر يريد أن يصنع الذرّة في يوم. روتين متكرّر: كميّة البن، والقهوة المُستخلصة، لا شيء يتغيّر في هذا الاعتياد سوى العطر اليومي، وطريقة اختياري كلّ صباح لعطر اليوم بسيطة جدًّا: ماذا سأُصبح اليوم؟

هذا روتين يومي، أو بالأحرى أسبوعي وشهري وسنوي. يتغيّر الروتين في يومَي إجازة نهاية الأسبوع، هنا يُصبح عالمي باختياري أنا، فأما باقي الأيام الخمسة فتتحدّد بعوامل حياتية، أو بعوامل تخصّ أمورًا أعقد بكثير من أن يسودها الهدوء، فعملي حتمًا صُنع لإثبات مفهوم وحيد، وهو نقيض الهدوء..

في مساء أحد أيام الإجازة، ارتديت تلك القهوة التي تجيد حمص البن الأوغندي، وأحمل كلّ شيء معي في تلك الأمسية عدا أفكاري. وفي الواقع، لا أحمل سوى نفسي، وأنا، ورواية لهاروكي موراكامي، ولا أتذكّر شيئًا سوى طعم القهوة الأوغندية التي أحبّها باعتياد، واقتباس قرأته:
《 ليس من السهل القبض على أفكارك وسط الظلام التام. تصبح الأفكار غابة غامضة، وتمتد أغصانها عشوائيًّا. 》

ولأني أُجيد أشياء كثر في الحياة: السهر، والتأخّر، والحُب!
مضت ليلتي كما كنت أمضيها كلّ أسبوع: سهر، وموسيقى، وكتاب، والكثير من الصراخ.
فالسهر والموسيقى كانا المزيج العذب الذي يجدّد حبال وصلي بنفسي دائمًا، وأما الكتاب فأنا بالطبع متأخر دائمًا، لا لضعف قدرتي على القراءة والفهم، بل أصبح الأمر عادة كما تسير حياتي.

والحقيقة أصبحت مفهومًا مرسّخًا في ذهني، ويدفعني للتساؤل: هل الأفضلية دائمًا تعود للسرعة واللهث خلف الأولوية؟

ما بعد هذا الصخب والهدوء، والذي يماثلني تمامًا في حياتي بالتناقض، بين الهدوء والسرعة، بين الاعتياد ونقيضه، بين خفّتي من أفكاري وصخبها… ما بعد هذه السهرة، تنسدل أفكاري أمامي، ويخالجني الخوف مما أختار اليوم: أيّ فكرة أقتني؟

“فالأفكار الخلّاقة في معظم الحالات هي عبارة عن عواطف لا تُخلق من العدم.”

فهل هذه نتيجة عواطفي؟
كلّ هذا الخوف من الاقتناء، هو خوف من حقيقة أن هذه عواطفي في الحقيقة؟
ما الذي يجعل الصلة بيني وبين عواطفي حبلًا؟
حبل يشنق أفكاري كلّ يوم، وينقطع في تلك الليلة كلّ أسبوع؟

بالطبع اختيار الفكرة سوف يقع على الأثقل حِملًا، فهو من يُخفّف الحبل — أو كما أظن.
تلك الفكرة التي دائمًا ما تُثقل الحبل، وأنا، ونفسي، وكلّ نقيض تتشبّث به روحي.
المشكلة في الأصل أنها الأثقل على كلّ الأطراف، لا أحد يريدها.
وكلّ يوم جمعة، ندعو بالتخلّص من هذا الثقل، ولكنّها أصبحت شبحًا يطارد الجميع، فلا مفرّ.

ففي الثاني عشر من فبراير، في سنةٍ غير معلومة مضت، بقيت الفكرة.
هناك انتهت قصة، وبدأت أخرى. فبطلة القصة تلاشت، وبقيت فكرة وجودها.
وجودها كان الأمر الذي يفصل بين قطرة وأخرى من تلك القهوة التي لم تتغيّر، عكس كلّ شيء آخر.
فكان وجودها يمثّل تلك الحقيقة الغائبة عن أذهان البشر: الصلة بين الفكرة والعاطفة.

كانت مميّزة بطريقة ربطها للأشياء، وإن ذلك يتمّ بطريقة لا أحد يستوعب كيفية فعلها، حتى هي بذاتها!
وهذه ميزة، بجانب كلّ امتياز حظيت به في حياتي.
فالتفكير في هذه الفكرة وحدها يُحمّلني حياة أخرى، حياة كانت تحمِلُنا نحن، عالمًا منفصلًا بين الوجود واللاوجود، هناك تحديدًا، في ذلك الفضاء الذي لا أحد يستطيع أن يصله.

عمومًا، هي فكرة بنتيجة ثقيلة.
فالتفكير في كلّ الأحداث التي صنعناها يدفعني للابتكار، لمحاولة الرقص والصراخ بشدة، على أمل أن أخلق مصطلحًا جديدًا خاصًا بنا.
ولكنّي فشلت، كما فشلت في محاولة دفع الفكرة للانتحار.

وما وجدت شيئًا يواسيني دائمًا سوى هذه الفكرة الثقيلة، التي تغدو حنونة جدًّا عندما تغمرني بقسوتها.
فما لي سوى أن أُغيّر المقطوعة، وأتلذّذ بقسوة وحنان تلك الفكرة.
فذكرى وجودها تحمل معاني عدّة، وأهمّها أنني لم أكن اعتياديًّا قط، ولم تكن هناك أفكار تتّسم بمفهوم التناقض، ولم تكن حياتي سابقًا إلا مثالًا صريحًا على الرتابة، والكثير من الأشياء التي لم أكن عليها الآن.

فالشيء الذي أتباهى بإجادته دائمًا — الحب — فشل!
فما بقي لي سوى شيئين، ونتيجتهما دائمًا الدمار:
في يساري حبل المشنقة، وفي يميني كلّ الأفكار، وأمامي فكرة واحدة، كما كانت هي، مثالًا فريدًا في هذه الحياة.

في الثاني عشر من شباط، قرّرت الرحيل.
قررت العبث في حياتي كما لم يفعل أي شيء آخر.
جعلتني أُصارع وجودي، حتى ارتحلت إلى اللاوجود.
فلم أُجد الحب كفايةً لأن تعود بقرارها، ولم يكن هذا الكمّ من المثاليّة كافيًا لأن يجعل الحبل يرتخي.
قرّرت أن تجعلني وحيدًا، اعتياديًّا، متأخرًا دائمًا.
قررت أن تشدّ الحبل، وترحل.
قررت أن تعبث في موازين هذا الفضاء.
قررت أن تجعل هذا المشهد غير حقيقي من شدّة حقيقته.

رحلت… فهذه كانت خياراتي.
رحلت وجعلت تلك السنة معلومة.
مضت أربع وعشرون سنة على ذلك الرحيل.
ففي نفس اليوم؛ قرّرت بكلّ شجاعة أن أرحل كما فعلت.
لففتُ الحبل على عنقي واشتدّ، وكان المشهد أمامي:
أُغادر، وتلك الفكرة تعيش، تنتصر أمام ضعفي.