إن ازدياد العلاقات الإلكترونية في عصرنا الحالي أمر مهيب، أصبح الإنسان على انعزال تام عن الواقع، ويعيش وفق شعور العلاقة الافتراضية وينسى شيئًا فشيئًا حقيقة شعوره الواقعي، ويصبح معيار شعوره الفعلي للعلاقات مبني على ذلك الافتراض. وفي هذه المقالة، نتساءل ونتعرّف عن ما إذا كان الأمر صحّي؟ وكيف تؤثر علينا العلاقات الافتراضية؟.
في دراسة أجريت لباحثين تهدف لمعرفة أثر ازدياد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأفراد، وأظهرت النتائج أن الدول التي يكثر فيها استخدام تلك البرامج، تزداد فيها الوحدة والاكتئاب بين أفراد المجتمع.
أصبحت علاقات الإنسان في العصر الحديث واقع مشكلة، حيث أن الوحدة تزداد بجانب، وتنخفض العلاقات الواقعية بجانب آخر، توّقف الفرد اليوم في المجتمع عن السلوك الاجتماعي الطبيعي الذي يحدث إذ نرى أن السلوكيات الاجتماعية في تغيّر مهول عن ما كانت عليه بالسابق. ولذلك في هذه المقالة نخوض نقاشًا حول تغيّر سلوكيات الفرد الاجتماعية في العصر الحالي.
لا شك أن العلاقات اليوم من أكثر وأشد المواضيع اهتمامًا لدى الإنسان، ولا شك أن هذا الاهتمام نابع من وجود مشكلة سابقة!، ولكن هل فكّرت مرة كيف العلاقات الافتراضية تحوّلت إلى علاقات واقعية؟ ليس بالمعنى الحرفي، بمعنى أنها أصبح سبيل لتغذية حاجتنا الاجتماعية بدلًا من الواقع! في دراسة بحثية لباحثين، تناولا أثر برامج التواصل الاجتماعي على شعور الوحدة والاكتئاب لدى المجتمع الذي يكثر فيه استخدام هذه البرامج، وجاءت نتيجة البحث بأن الدول التي يكثر فيها استخدام برامج التواصل الاجتماعي ترتفع مشاعر الوحدة والإصابة بالاكتئاب لدى أفراد ذلك المجتمع. قد يبدو للوهلة الأولى أن استخدام برامج التواصل الاجتماعي من الرفاهية عند الإنسان، ولكن ما تفعله برامج التواصل الاجتماعي من أثر لا يمكن حقًا أن نعدّها رفاهية.
كيف تساهم برامج التواصل الاجتماعي بارتفاع شعور الوحدة لديك؟
أولًا يجب أن نفصّل الأمر في عدّة نقاط لتتضح الصورة بالكامل.
استخدام أي برنامج اجتماعي قد يسبب مشاعر لا إرادية للإنسان، حيث أن المشاعر شيء غير منطقي، ولا نستطيع مهما بلغنا بالسيطرة على الذات أن نحدد ما نشعر به ونتلقى من الآخرين، وطريقة الإنسان في الشعور بالأشياء أمر وجودي، وقد يتوه الإنسان يومًا بطريقة إثبات وجوده، وربما يشعر أن وجوده يكمن في شعوره الحالي. يقول ديكارت أنا أفكر إذًا أنا موجود، ولكن ماذا تقول أنت؟ حقيقةً إن المشاعر جزءًا من عقلك، ويعمل بشكل تام لجعلك على قيد الحياة، تتفاعل مشاعرك دائمًا في الاستجابة للإحداث والمتغيرات الواقعية لتصدر منك ردّة فعل (سلوك) تناسب الحدث، وإن دائرة السلوك عند الإنسان بعد الشعور يحدث السلوك، وقد لا يكون الشعور واعي، ولا تأتي ردّة فعل حينها، وكما يقول فرويد إن معاناة الإنسان تكمن في كبت مشاعر العقل اللاواعي. ماذا بعد الشعور؟ وكيف نتأثر؟ حينما يكون برنامج التواصل الاجتماعي جزء من حياتنا اليومية، سيمدّنا بمشاعر لا متناهية، كون هذا التطبيق أصبح واقعًا افتراضيًا لنا، بمختلف الأشياء التي تحدث خلال التطبيق، هي بالتأكيد تتشابه مع الأحداث الواقعية الطبيعية التي تحدث لنا وتمدّنا بمشاعر مختلفة، فلا يختلف الواقع عن الافتراض. استخدام أي تطبيق تواصل اجتماعي بشكل مستمر يمنح الإنسان ميزة مشاركة احداثه اليومية، وقد يحصل على اهتمام مطلوب لدى الفرد الطبيعي، ممّا يساهم بخلق ميزة اجتماعية في التطبيق عن الواقع لدى الفرد، وبذلك يستمد الفرد مشاعر الاحتياج الاجتماعي من خلال الأفراد الموجودين في التطبيق، وهذا ما يجعل الفرد يعتاد على المشاركة الدائمة في التطبيق، محاولةً منه الحصول على ذلك الشعور الاجتماعي، كما أن الفرد قد يشعر بمشاعر اجتماعية يحتاجها بفطرته، واستمدّها من هذا التطبيق، وهذا ما يضخّم وجود المشكلة الاجتماعية واعتماده الكلّي على الواقع الافتراضي. وقد تبدأ المشاكل لدى الفرد في مرحلة معيّنة، عندما يفقد ذلك الزخم الذي يغذّي شعور الاجتماعي ويفقده تمامًا أو يتلاشى بعضه، وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة، مشكلة الاعتياد باستبداله الواقع الفعلي بالواقع الافتراضي، وتكوين علاقات افتراضية أملًا أن يستمد احتياجه الاجتماعي منهم!. عندما يعتاد الفرد على ذلك ويفقده وتبدأ المشاكل بالظهور، يزول منه الشعور الاجتماعي الذي حصل عليه مؤخرًا، وتحديدًا هنا يشعر الفرد بالوحدة، حيث أنه استبدل الواقع الفعلي بالافتراضي، ويجد أن الواقع الفعلي والافتراضي كلاهما ناقصين لديه.
هل برامج التواصل الاجتماعي تؤثر على الصحة النفسية؟
في دراسة بحثية أجريت على 940 مستخدم لبرامج التواصل الاجتماعي في المكسيك. هدفت الدراسة إلى قياس التأثير الاجتماعي والعزلة الاجتماعية على المستخدمين. وأتت نتيجة الدراسة بأن برامج التواصل الاجتماعي تؤثر إيجابيا بشكل غير مباشر على الرفاهية النفسية لدى المستخدم. تناولت الدراسة مدى ازدياد الإدمان على برامج التواصل الاجتماعي، ولا سيّما ذلك بأن برامج التواصل الاجتماعي عامل كبير في الإدمان على استخدام الهواتف الذكيّة. بالرغم من ازدياد الدراسات حول هذه الظاهرة إلا أنها تعاني من تناقض حول شعور العزلة الاجتماعية، لا سيّما أن برامج التواصل الاجتماعي تساهم بشعور الفرد بالقرب الاجتماعي لدى الآخرين، ممّا يستدعي لأن يفهم الباحثين في هذه المواضيع محاولة فهم السلوك الاجتماعي بعمق أكثر. وكما ذكرت سابقًا بأن برامج التواصل الاجتماعي تساهم بالعزلة الاجتماعية، إلا أن الفرد أحيانًا يشعر بالاتصال مع الأخرين بشكل أعمق في هذه البرامج، ولا سيّما ذلك باختلاف السمات الشخصية لدى الإنسان، فليست هناك نتيجة مطلقة. ولكن تشير النتائج دائمًا بالتأثير السلبي، ولا شك أن هناك تأثير إيجابي، إلا أن التأثير السلبي أعمق. ونرى التأثير السلبي متجذّر بتأثيرات معقّدة متراكمة، حيث أن ذلك يؤثر على سلوكيات تتراكم على الفرد وتزداد حدّة ذلك بعد مدّة قصيرة أو طويلة. ونجد أن برامج التواصل عامل مهم بارتفاع الإدمان على الهاتف والذي يؤدي إلى تراكمات منها التأثير على النوم، ونرى مشكلة العصر الحالية الأرق. وكما ذكرت سابقًا أن الوحدة تزداد، وذلك بانخفاض التواصل الحقيقي في العالم الواقعي. وفي دراسة أجريت عام 2018 أشارت إلى أن الحد من استخدام برامج التواصل الاجتماعي لمدة ثلاثة أسابيع تؤثر إيجابًا على الرفاهية النفسية.
متى تستشعر أنك في خطر اجتماعي؟
تزداد صعوبة القياس لدى الفرد عندما يكون نمطه الاجتماعي مبني على الانعزال وضعف التواصل في الواقع، وعلى العكس، تسهل سهولة الاستشعار بالتأثير عندما تكون شخص اجتماعي. فلذلك على الفرد أن يوقن بحقيقة التأثير اللاواعي أولًا، ومن ثم يستطيع الفرد معرفة حقيقة الخطر لديه، وعلى سبيل المثال عندما يتحوّل الأمر إلى ثقل نفسي وصعوبة فعلية في التواصل مع الآخرين في الواقع، فهذا أحد المؤشرات على وجود خطر فعلي، كما أن الفرد عندما يذهب لمناسبات اجتماعية ولا يستطيع التواصل مع الآخرين، وينعزل في زاوية بعيدًا عن الآخرين، يعد مؤشر واضح على وجود اختلاف فعلي عن السابق. على الفرد أن يضع مقياس خاص لنفسه، وباختلاف سمات الشخصية لدى الآخرين، كل فرد لديه اختلاف بوضع مقياس خاص لنفسه، والمهم في ذلك هو استشعار مدى الثقل الاجتماعي في الواقع على النفس، وتتحوّل بذلك إلى سلوكيات، كالهروب من مقابلة الآخرين، والتواصل مع الأفراد في مختلف الأماكن. ومن العوامل المهمة في معرفة التأثير هو التغيّر في المزاج المستمر في حضور الآخرين. ومن المهم عند استشعار الاختلاف الاجتماعي لديك، وتغيّر المزاج لفترة تمتد لأكثر من أسبوعين، عليك مراجعة نفسك أو الذهاب لرؤية مختص، قبل أن يزداد التأثير ويتحوّل لاضطرابات نفسية واجتماعية.
المصادر:
https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpsyg.2021.678766/full
https://guilfordjournals.com/doi/10.1521/jscp.2018.37.10.751