حينما نتحدّث عن التشبّث بالأشياء فإننا بذلك نتحدث عن نمط واضح ويدعى التعلّق. لن أكتب اليوم عن أثر هذا السلوك، أو تعريفه، ولكن المثير حقًا هو لماذا يتشبّث الإنسان بحزنه؟
أولًا ربما علينا أن نوضّح أنه في علم السلوك يحاضر كثيرًا بمقولة ” أنت لست أفكارك ” وهذه الحقيقة تستدعي بنا لأن نتيّقظ حول أنه ليس من الضروري أن نتصرف وفق أفكارنا، وأيضًا التفكير يُفصّل من نواحي عديدة في علم النفس، فهناك تصنيف يدعى التفكير الكارثي، التفكير العاطفي وهكذا. هناك نظرية تُدعى بدائرة السلوك، وفق ذلك هذه النظرية تشرح كيف يتصرّف الإنسان وهي كالتالي : (حدث < اعتقاد < مشاعر < سلوك ) وهذه دائرة تحوم حول نفسها ولا تتوقف!. إذًا الأن نعود للتساؤل المهم، لماذا يتعلّق الفرد بحزنه؟ نستطيع أن نكتب عن ذلك ولا نتوقف، حيث أن الأسباب عديدة وتحتاج حقًا لتدخل علاجي إذا زاد الأمر عن حدّه الطبيعي، ولكن سوف استعرض ذلك من عدّة نواحي.
في بداية الأمر يتكوّن لدى الفرد حقيقة مطلقة بأن أفكاره هي تجسيد لذاته، وهذا ممّا يجعل الفرد يخوض رحلة التفكير الكارثي، وليس الأمر متعلق فقط في التشبّث بالحزن بل من نواحي عديدة، ولكن من جانب التشبّث بالحزن، قد يصعب على الفرد محاولة التخلص من حزنه وذلك بسبب اعتقاده اللاواعي عن أن الحزن هي تجسيد لشخصيته! وفي رحلة العلاج السلوكي يصعب جدًا محاولة تفكيك الحقائق للمراجع عن حقيقة تشبّثه بحزنه! ولذلك قد تطول الرحلة العلاجية.
وأيضًا قد يحدث تعلّق بالحزن كون استحقاقية الفرد لنفسه ضعيفة جدًا، ممّا يشعر بأنه يستحق هذا الحزن والألم، ويخوض بذلك دائرة مطوّلة حول استحقاقيته وأحداثه اليومية بلوم الذات والعودة لشعور الحزن المُستحق برأيه. وفي جانب أخر قد يتعلّق الفرد بالحزن ويتصوّر أن هذه صورته، ممّا يجعل محاولة العلاج منه صعب. وكما أن الخطابات المستمرة حول أن الحزن يجعل منك مبدعًا وخارقًا وما شابه، ونرى بذلك صورة كبيرة عبر التاريخ، وتحديدًا في المجال الأدبي والفني، مثل فان غوخ، ودوستوفيسكي وغيرهم، وأيضًا جزء كبير من العلماء والمبدعين يعيشون في خضم اضطرابات نفسية، ويملؤهم الحزن، وهذه الصورة النمطية تؤثر علينا في عقلنا اللاواعي، بجانب اعتقادنا الخفي في أن الحزن صورة إبداعية تتكوّن منه شخصياتنا، وهذا المؤسف في محاولة طرد الحزن منّا، نخاف على مغادرة صورة هُيّئت لنا بأي طريقةٍ كانت، صورة أننا بالحزن أشخاص مبدعين ومختلفين، نعم أحيانًا تكون الفكرة منطقية، وأنا شخصيًا في مرحلةٍ ما عشت في خضم هذا الاعتقاد، ولكن عبر محاولات فكفكة ذلك، وصلت لصورة نهائية بأن الحزن والألم منفصل عن كياني تمامًا، وهذا الواقع في كيان كل إنسان، نحن لسنا أفكارنا، وحزننا ليس صورتنا الإبداعية، تخلّى عن الحزن، حتى تتضّح صورتك الحقيقية غير المشوشة.