عن الأفلام والكتب العبثية

لماذا يصنع الإنسان الأفلام؟ في بادئ الأمر، اعتقدت أن مثل هذه الأفعال خالية من المعنى. ولكن سرعان ما أدركت أن الإنسان لم يكن يومًا متملصًا منه؛ حتى أبسط الأفعال وأتفهها ذات معنى. ومن هنا بدأت أتساءل: ما هي أفعالنا؟ وما المعنى خلفها؟ طرحت هذه الأسئلة وبذهني الأفعال التي تكون غالبًا ترفيهية للذات، أو ربما هي كذلك بالنسبة للبعض. بدأت أتساءل لِمَ نقرأ ونكتب، لِمَ نشاهد المسلسلات الواحد تلو الآخر، ونسابق الزمن حتى نصل لقاعة السينما قبل أن تفوتنا أي ثانية من الفيلم؟ داهمتني الأسئلة في خضم متابعتي الثانية لمسلسل مفضّل. تساءلت: لِمَ لا أكتفي بالمرة الأولى؟ وبهذا التساؤل، وجدت نفسي أبحر نحو المزيد من الأفكار والتساؤلات.

في خضم كل هذا، بدأت أفكر بحقيقة أن كل هذه الأعمال التي ظاهرها نحن ما هي إلا نتيجة لهو. قرأت هذا اللهو من عين فرويد الذي يقسم اللهو إلى قسمين، يندرج ضمن أحدهما “الكبت”. هنالك منذ الأزل جدال مستمر حول حقيقة وفطرة الإنسان: هل هو مفطور على الخير أم الشر؟ وبالتالي وجدت فكرتي تميل إلى أن الشر باطن الإنسان، حيث أن كل هذه الأعمال التي صنعها قد تكون محض رغبة مكبوتة في باطنه. 

عندما نرى السينما اليوم مثلًا، نرى أن الجريمة جزء لا يتجزأ من حبكات الأفلام، كما هو الحب غير المنطقي أو التعري أو رغبات عديدة غيرها (رغبات مكبوتة في باطنها). كل ذلك نتاج لهذه الأعمال. ولم يكتف ذهني باستحضار ذلك، بل راح يستحضر الكتب جزءًا من سياق هذه الأفكار، منطلقًا من افتراض أن الكتب مرادفةٌ للسينما بطريقة إخراج مختلفة. 

وبمجرد الانتقال من فكرة اللهو وباطن الشر، انتقلت لسؤالين جديدين: ماذا يصنع كل ذلك، ولماذا؟ في بادئ الأمر، وجدت أن السؤالين منطقيين، وذلك من باب أن الإنسان يريد خلق عالم آخر يحقق فيه رغباته المكبوتة مهما كان باطنها. ولكن في مرحلة ما، وجدت أنها تناقض شيئًا من الواقع، فليس من السهل اختزال عملٍ ما في رغبة وحيدة ولا في اتجاه وحيد. ولذا عادت أفكاري صفرًا، واستمر الصراع حول باطن الإنسان وحقيقته ومبتغاه، وعاودت السؤال: لماذا نقرأ ونشاهد؟ 

هل نرى أنفسنا نحن؟ هل بين السطور نجد شيئًا يمسّنا أو يلمسنا بحيث يستبقي على ممارستنا؟ عندما تكون فكرة الأعمال الحالية هي نتيجة رغبة مكبوتة، يتجزأ الأمر لجزئين: الصانع والتابع. تحدثت في السطور أعلاه عن دوافع الصنع، فحري بي الآن التطرق إلى التابع. أجد من المنطقي أن كل الدوافع التي نرغب بها في قراءة أو مشاهدة شيء دوافع وجودية، تنبعث من داخلنا وتتصل بهذا العمل. ففي مرحلةٍ ما، لا نعتبر هذه الأفعال عبثية، فنحن نرى ونقرأ لنبحث مثلًا. ومثلما أن الوجود الحقيقي للإنسان كامن في البحث عن شيءٍ ما والسعي حول فكرة أو شعور أو رغبة، فالأمر ينطبق تمامًا على التابع عندما يبحث ويسعى وراء المشاهدة أو القراءة. 

فحتى لو اعتبرنا ذلك رغبة نابعة من اللهو، حول البحث عن شيء مفقود بين السطور لنتبيّن حقيقة في أنفسنا، فإننا بطريقة ما، ونحن نشاهد أو نقرأ، حتى لو قلنا أننا نفعل ذلك بشكل عبثي، فإن الأمر لم يكن عبثيًا إطلاقًا. بل الأمر يندرج ضمن رغبة اللهو بتحقيق هذه الدوافع المكبوتة. دعني أشرح الأمر أكثر: عندما عدت لمشاهدة مسلسلي المفضل مرة أخرى، اكتشفت أنني نسيت لقطات وأحداث كثيرة، وتساءلت لماذا نسيت هذا وتذكرت بعضًا آخر. 

تمثل الجواب في ذهني بأن هذا الحدث الذي تذكرته كان بطريقة ما دليلًا واضحًا لبحثي عن شيء ما في هذا المسلسل حين رأيته للمرة الأولى. وبالطبع تأكدت من ذلك لاحقًا، حيث أن المسلسل كان يعني لي الكثير لأنه لمس واقع وحقيقة كنت أبحث عنها في حياتي. ولهذا كان المسلسل مختلفًا عن غيره. في تلك اللحظة، كنت تابعًا، ولكن ماذا عن الصانع؟ لماذا صنع هذا المسلسل؟ بالتأكيد أنه كان في مرحلة ما تابعًا هو الآخر، وها هو الآن صانعٌ يجسّد الجزء المكبوت في اللهو بتعبيره عن الألم الوجودي والفقد المؤلم في أحداث ما شاهدته. حتى وإن لم تكن رغبة تخص الشر أو الخير، فهي في أساسها رغبة ظهرت للعلن. ولهذا أجدني بين السطور، وأرى الصانع يكتبها أمامي. 

ولهذا ربما يكتب الإنسان ويصنع أفلامًا ويضع نفسه بين السطور. ونجدنا نحن منذهلين ومتحدقين حول ذلك، ونتوق رغبةً بتكرار قراءتنا ومشاهدتنا كما لو كانت تحضر للمرة الأولى، لأننا وجدنا شيئًا نبحث عنه. في رحلة التساؤلات كانت الحقيقة هي أن الإنسان يشاهد ويقرأ ليبحث عن نفسه؛ يبحث عن أجوبةٍ لأسئلته، وأفكارٍ منطقية لأفكاره. في باطن البحث بحثٌ عن أنفسنا؛ فلم نكتفِ بالبحث في سعينا اليومي، بل نشاهد الأفلام، ونقرأ الكتب، ونكتب وندور في هذه العبثية غير-العبثية لنبحث عن أنفسنا.