كيف تدفع ثمن اختلافك عنهم؟
بكل تأكيد نحن جميعًا قادرون على تعريف المكان. فالإنسان منذُ الأزل تربطه علاقة وثيقة بالمكان، ولا يستطيع أحد إنكار الارتباط الروحي بينهما؛ لا مكان بلا إنسان، ولا إنسان بلا مكان. وفي سبيل أن نصف هذا المكان وتجذراته في حياة الإنسان، كيف تخلق له طُرق، وكيف تسدُّ دونه طرق، أتت هذه السطور.
عانى الإنسان بكل ماهيته من المكان الذي يقطن فيه. بغض النظر عن شعوره الحقيقي تجاه المكان، سواءً أحبه أم لا، فلا شك أنه يتساءل عن حقيقة أثره عليه وعلى من حوله. ففي مرحلة من مراحل الإنسان، يثور الشك بداخله حول حقيقة المكان الذي ينتمي له، ويتفكّر بحال المجتمع المحيط به، كيف يتقبله؟ كيف ينتمي له؟ كيف يقف ضده؟ وليست هذه المرحلة قانونًا مفروضًا على الفرد طبعًا، إنما كل فرد يختلف بفكره وسعيه وببحثه عن شيء مختلف، شيء ليس موجودًا في هذا المكان.
إن الاختلاف مشكلة عظمى بالنسبة لسكان هذا المحيط. كيف له أن يختلف عنا؟ وطبيعة الإنسان أنه يستنكر ظهور فرد بأفكار جديدة، ولا بد أن تمر مرحلة التقبل بعدة مراحل تسبقها. ولكن تبعات عدم التقبل أشنع. ففي ذكر عدم التقبل، نذكر القصة التي أودت بحياة سقراط عام 399 ق.م. بدأ سقراط يماشي العامة ويطرح الأسئلة، وخلف أسئلته صمت يعي في الطرف الآخر رغبة سقراط بالحوار والتظاهر بعدم الفهم، وبهذا الفعل يجبر سقراط الناس على التفكير.
لكن بهذا الفعل الناشئ الذي لم يستوعبه الناس في أثينا، بدأ أصحاب السلطة بالانزعاج، وبذلك لاحقًا اتهم سقراط بأنه أدخل آلهة جديدة وأفسد الناس في أثينا. إن الأمر أشبه بمخالفة عادات وتقاليد اعتاد عليها سكان هذه البيئة، فإن أتيت باختلاف فإنك كافر. يطرح موت سقراط أحد أهم التساؤلات التي يتساءل عنها الإنسان “لماذا دفع سقراط ثمن مخالفته للتقاليد؟”
المكان سجنًا
كما آنفت ذكرًا، حينما تبحث عن شيء مختلف جديد في بيئتك، ستواجه إنكارًا قاسيًا. ولكن في سبيل توصيف تجارب وفرص كونك مختلفًا، كيف لنا ألا نذكر لعنة البيئة؟ يتراءى لي كثيرًا مدى السعي في خلق تجارب ومحاولة فعل شيء مختلف في مكان كهذا. ولكن كونك في مكان تنكمش فيه الفرص حسب اختلافك، وتتضاءل وتنكمش نسب نجاحك وخوضك لها، فذلك مما يجعلنا نتساءل عن اجتماع لعنة الاختلاف وعدمية الفرص في مكانٍ واحد.
يحكي لي صديق يقطن في مكان تكاد الفرص فيه لا تذكر أنه دائمًا ما يسعى ويحاول لكي يخلق تجارب مختلفة. ولكنه لم ينجح. أصبح يشكو من لعنة المكان، ويتطلع إلى جنة المكان الآخر الذي ستسنح له فيه فرصٌ عديدة، ويتساءل كيف آل به الأمر لمرحلة من مراحل الاكتئاب، وهو الأمر الذي جعل المكان الآخر بعينه نعيمًا أكثر ازدهارًا.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أتفكر في كل إنسان كبلت يديه الفرص المعدومة، بسبب المكان أو البيئة أو حتى العائلة، بسبب أشياء خارج نطاق قدرته أو اختياره. كأنها لعنة حلت عليه. كيف لإنسان يحمل معان كثيرة وأهدافًا عديدة أن تخونه الظروف؟ كيف ستكون أحواله ومشاعره وأفكاره وآراؤه؟ كيف سيختلف تكوينه الذاتي؟ كيف ستكون علاقاته؟ بل كيف سيعيش وهو مكبّل؟
المدرسة سببًا للوحدة
هل كوّنت علاقات خارج إطار الدراسة؟ أصدقاء أو زملاء، أو أيًا كان مسمى العلاقة؟ بدأتْ تساؤلاتي هذه بعد حديثي مع صديقي حول أهمية المراحل الدراسية في تكوين العلاقات. لا شك بأهمية المدرسة كونها المكان الثاني الذي ينمي الأفعال والأساليب التي يتخذ منها الفرد سبيلًا لمواكبة جيله. يخبرني صديقي عن أهمية وجوده في مدرسة تليق به، مع أشخاص ينتمون لنفس الفكر. فحينما تكون في مدرسة لا تجد فيها من يشاركك أفكارك وتطلعاتك، تصبح كمن وجد نفسه في قرية نائية، فردًا يعيش ويتوغل بوحدانيته بين ظهراني الجموع. ومن المؤكد أن الكثير من علاقات الصداقة بدأت من المراحل الدراسية، وظلت ممتدة حتى أمد طويل. ولا ينكر أحد أهمية تكوين العلاقات عند الفرد (لا سيما علاقات الصداقة)، فكيف إذن يتصرف الفرد الذي لم يوفق بأن يُحاط بأصدقاء في المراحل الدراسية التي مر بها؟ كيف يتعامل مع وحدته وعدم انتمائه لهذه الأماكن؟ كيف يندب حظه تجاه لعنة المكان أو اختيار مدرسة لا تتوافق معه؟
إن الصداقات المدرسية والعلاقات التي تتشكل إبان الدراسة من أهم العوامل التي تساعدك في خلق تجارب جديدة. لكن كيف سيصل الفرد لهذه التجارب بشكل أسرع؟ إن الدوائر الإجتماعية تيسر للإنسان خوض التجارب أكثر مما لو خاضها وحيدًا. لكن مع ذلك لا بد من التساؤل: كيف يوازن الإنسان بين الأمرين؟ كيف يتعامل مع علاقاته في المدرسة؟ وكيف تستمر هذه العلاقات والتجارب؟
الواقع منكرًا لكيانك
إن العيش في بيئة تعشق الوصاية يهدم آمالًا وأفكارًا عديدة، مهما كان جنسك أو توجهك. أن تكون في بيئة تكره ما تحب يولد شعورًا دائمًا بالهرب، بل شعورًا بالخزي مما تحب أحيانًا. تخيّل أن أفكارك ومعتقداتك ورغباتك كلها غير مرغوب بها في هذه البيئة. سيكون ذلك بمثابة نكران وجود كيانك الحقيقي بينهم، وكأنهم يريدون تشكيلك وصقلك حسبما يرغبون. ستضطر أن تواكب موجة أفكارهم ومعتقداتهم ورغباتهم وأن تنصاع تحديدًا وراء وجودهم.
ستشعر أن البيئة ليست بيئتك، وستسعى لأن تجد على الدوام ملاذا آخر لك.، هروبًا واقعيًا أو مجازيًا أو افتراضيًا، ولربما أقدمتأفعال لا تمثلك. كل هذا في سبيل تفادي هذه الرقابة والوصاية التي عشت في دائرتهما زمنًا طويلًا، وهما ذات الرقابة والوصاية اللتان ستبعثان فيك رغبة دائمًا بكسرهما، سواء وعيت الرغبة لا. ربما كان فرويد محقًا حين قال أن الشعور بالمقاومة صادرٌ من الأنا، وأنها قد تكون لا شعورية، بل أنها قد تحدث دون أن يتنبه الفرد إليها.