هل يجب أن تتألم لتشعر بالوعي؟

حسنًا، لا يخفى علينا أن هذا الموضوع يتكرر منذُ سنينٍ عديدة، ولكن اليوم، أطرحه بطريقة تحمل معاني مختلفة.

طوال حياتي أعيش في تساؤلات ليست جديدة، أو حتّى أفكار غريبة، أتفرّد بها، ولطالما عشت في هذه الفكرة، وأرى في كل حرف يخرج من فم إنسان طريقة لفهم هذه الضريبة، سواء أكان حديث سعيد، أو حديث يحمل مرارة العيش. قبل أن أخوض في حديثي عن ضريبة الألم، لنخوض أولًا في معنى الألم; حسب إستر وساندرا المهتمتيّ في الألم النفسي يعرفون الألم بـ ” أنه شعور سلبي دائم ناتج عن عجز في الذات، وعادة ما ينتج هذا الشعور من فقدان شخص أو الفشل في تحقيق شيء ما يرتبط ارتباط أساسي بالحاجة النفسية ” إذًا بعد تعريف الألم، نأتي للأساس في حديثي اليوم، هل من المنطق أن يعاني الإنسان ويتألم حتى يكون أفضل؟ وواعي بأمور الحياة بشكل إدراكي أكثر من غيره؟ لو أتينا بفردين، عاشوا بمعاناة مشابهة، هل سوف يكون الأثر واحد؟ بالطبع لا، وهذا الأمر أقيسه على الصعيد الشخصي، ونماذج واقعية من حولي، إذًا هل المعاناة حقًا تجعل الإنسان واعي ومدرك أكثر؟ لا يوجد جواب مطلق يؤكد هذه الحقيقة، ولكن عندما نقيس الوعي بالألم، لن نرى نتيجة ملموسة وواضحة، كما هي الأمور النفسية. وبالواقع عنما نرى جميع النماذج الواعية والمدركة للحياة بتفاصيل لا يفهمها العامة، نرى أن خلف كل ذلك ألم قابع في هذه الروح، وهذا المُهم في هذه النقطة، لماذا هُناك ضريبة للوعي؟ ممّا يطرح تساؤل آخر علينا، هل الوعي يزيد من تعاسة الإنسان؟ ومثل ما قلت سابقًا جميع النماذج الحيّة توضّح لنا أن الوعي له ضريبة، ضريبة الألم. يرى المحلل النفسي د. ياسر الدبّاغ في تدوينة كتبها سابقًا أن هذا الخطاب لا يمت بالصحة، حيث أنه يستدل بحالات معيّنة يرى بها أن الألم النفسي مرتبط بعدم الوعي أكثر ممّا غيره، حيث أن الذين لديهم إعاقات ذهنية يعانون في حياتهم أكثر من غيرهم. وممّا يذهل، هو ارتباط الألم بالوعي، بطريقة لا إدراكية عندما يخوض الإنسان تجربة مؤلمة، يرى تفاصيل استثنائية، لا أحد قادر على رؤيتها، وبالطبع تكوين هذا الفرد يؤثر على طريقة رؤيته للأشياء الاستثنائية، فعندما يخوض فردين نفس التجربة، حتمًا ستكون رؤيتهم مختلفة، وبذلك نرعى للتكوين البيئي والنفسي منذُ النشأة، وبالطبع العامل الجيني له دور ضخم. كيف يرى هذا الفرد تفاصيل استثنائية؟ تصوّرات الفرد حول الموقف نفسه، من بعيد ومن قرب تتداخل في دماغه، ممّا يكوّن صورة حسيّة حول الموقف، ومن هنا يستشعر ” الألم ” وهذا هو الفارق الجوهري عن الفرد الذي لا يمّر في هذه المأساة. ولكن حول قوانين الحياة، التي وضَعت ضريبة الألم; هل من المنطقي أن يخوض الإنسان المعاناة حتى يشعُر؟ حتى يعي ويفهم؟ وإذا خاض هذه المعاناة هل مؤكد أنه سوف يكون شخص مُدرِك؟ أم أن الأمر خليط بين تكوينات مختلفة، من المأساة والتكوين البيئي والجيني! علينا أن نفهم حقًا ماذا يؤكد لنا إن الفرد سيكون مُدرِك، بدراسات علمية نفسية، ربما نصل لنتيجة، ولكن من غير المنطقي أن يخوض الإنسان كل هذا ونحن لا نملك نتيجة ملموسة لرؤية هذا الإدراك. وفي وجهة نظري من المجحف بأن تكون هناك ضريبة للوعي! وبكثرة النماذج التي نراها، دوستوفيسكي، فان غوخ، وغيرهم ممن رأينا أثرهم اليوم، حيث أن روايات دوستوفيسكي لا تجد مكتبة إلا وهي جزء منها، وأمّا فان غوخ بالتأكيد ننذهل دائمًا برؤية الفن الذي تناقل عبر السنين حتى اليوم. ماذا لو لم يخوض دوستوفيسكي معاناته في السجن؟ هل سيكون في هذا الإدراك والوعي؟ وتتناقل رواياته؟ أم سيكون فرد من العامة؟ أتفكّر بأن الوعي ليس خيار، إنما إجبار تخوضه في حياتك، سواء رغبت به أم لا، ونعم أحيانًا نرى أمثلة تريد أن تكون مدركة وواعية ولكن ينقصها الكثير، ماذا ينقصها؟ المعاناة؟ المأساة؟ مُجحف بحق الإنسان أن تكون قوانين الحياة هكذا، ربما علينا أن نكون أبطال خارقين، ونخلق قوانين جديدة للوعي والإدراك! وإن استطعنا بكل تأكيد لن نستطيع أن نجعل البشرية كلها واعية، ففطرة البشرية أن يتصدّر الاختلاف بينهم، ولكن ماذا لو كانت البشرية تعي، وتملك ذلك الحس الإدراكي؟ ماذا سيختلف؟ هل سيكون العالم أحنّ؟ هل سيكون التفهم لغة يعيش على أثرها البشر؟ أم ستبقى هناك عنجهية بشرية واضحة، لا تملُك لغة سوى التخلّف؟. لا يجب على الإنسان أن يعيش المأساة حتى يشعُر! لا يجب أن يتألم حتى يكون إنسان!